جار التحميل...
الشارقة 24:
في إطار البرنامج الثقافي المصاحب لفعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية، وبحضور أحمد بورحيمة مدير «أيام الشارقة المسرحية»، عقدت أمس الخميس، سهرة ثقافية بمقر إقامة الضيوف تحت عنوان "التمثيل المسرحي بين الفطرة والخبرة"، استعرضت أطوار الممثل المسرحي بين بداياته الأولية ومراحل تمرسه.
تحدث في الندوة، كلّ من الممثل والمخرج الإماراتي إبراهيم سالم، والأكاديمي والفنان المسرحي التونسي الدكتور حمادي الوهايبي، وأدارت الندوة الإعلامية المصرية إيمان منتصر.
وعبر إبراهيم سالم، في مستهل حديثه عن إعجابه الشديد بعنوان الندوة، مسترجعاً أيام الطفولة، حيث كان التمثيل جزءاً من فضوله المعرفي هو وأقرانه في الحي، إذ كانوا دائماً ما يتمنون أن يحلوا في مكان الآخرين، مستذكراً جاره صاحب الصوت الجميل، ورغبته في تقليده، مؤكّداً أن هذه الرغبة كانت الشرارة الأولى التي أطلقت شغفه بالفن المسرحي، وأضاف أن التمثيل مجال فطري موجود في كل إنسان، لكنه يحتاج إلى صقل عبر الخبرة والممارسة ليصبح أداءً مؤثراً.
كذلك استرجع سالم، بداياته في المسرح المدرسي تحت إشراف الفنان السوداني الراحل يحيى الحاج إبراهيم، وتذكر حين سأله الأستاذ يحيى عن سبب صراخه وهو يمثل، الأمر الذي أزعجه وجعله يشعر بالإحباط، لكنه فيما بعد - كما صرح - أدرك أن هذا الموقف كان درساً ثميناً، فقد علّمه أن التمثيل الحقيقي لا يقوم على الصوت العالي أو المبالغة الأدائية، بل على البحث عن اللحظة التي تصيب الجمهور بالدهشة، وتقديمها بطريقة طبيعية وصادقة، واختتم حديثه بالتأكيد على أن التمثيل رحلة اكتشاف ذاتي، وأن الموهوب الذي يجمع بين الشغف والبحث و"الكاريزما"، يمكن أن يتحول إلى نجم يترك بصمة لا تُنسى في عالم المسرح.
وشدد سالم، على أن للأداء العفوي والتلقائي مزاياه، ولكنه لا يخلو من تحديات، وبالمقابل الخبرة المعمقة في مجال ما، ولا سيما التمثيل، لا تعني بالضرورة أن صاحبها قد يبدع في أي دور يؤديه على الخشبة.
من جانبه، تحدث د. حمادي الوهايبي، عن التعقيد الكبير في الموازنة ما بين الفطرة والخبرة في التمثيل، متسائلاً: هل يمكن أن ينجح صاحب خبرة إذا افتقر إلى الموهبة؟ وأوضح أن الدراسة في أرقى الجامعات لن تمكن الشخص الخالي من الموهبة من تقديم أداء مقنعٍ، مسلطاً الضوء على الصدام بين المتكون الأكاديمي واللاعب الفطري، مشيراً إلى أن الموهبة وحدها لا تصنع المبدع العظيم، فالممثل الذي يلعب بتلقائية ولكنه مسلح بالمعرفة والخبرة والوعي، هو من يحقق التوازن بين العفوية والفن المتقن.
وأكد الوهايبي، أن الورش المسرحية تمثل بيئة حيوية لصقل الموهبة، وتنمية القدرة على الأداء وتطوير الحس الفني، وشدد على الدور المحوري للمخرج في إدارة الممثلين، موضحاً أن تفاوت الأداء في العروض التي شهدها خلال "أيام الشارقة المسرحية"، غالباً ما يعود إلى طريقة إدارة المخرج للمواهب.
وختم حديثه بتساؤل فلسفي مستلهم من محاورات أفلاطون، عندما سئل سقراط ما الذي يجعلك تقنع هؤلاء الناس وتسلب أفئدتهم؟ مسلطاً الضوء على أن الإقناع في المسرح لا يقتصر على المهارة التقنية، بل هو مسعى لفهم جوهر الشخصية والصدق في الأداء، تماماً كما يسعى الحوار الفلسفي إلى الكشف عن الحقيقة من خلال السؤال والتأمل.
وشهدت السهرة، مداخلات ثرية حول موضوعها من العديد من الفنانين الحاضرين، ومنهم الدكتور سامح مهران، والفنان الكويتي جاسم النبهان، والفنان التونسي منير العرقي، وسواهم، ومن أبرز التساؤلات التي طرحت: هل يبدأ التمثيل من الداخل للخارج، أم من الخارج إلى الداخل؟ وقد أجاب إبراهيم سالم، بأن التمثيل يبدأ دائماً من الداخل، حيث تبدأ رحلة اكتشاف الذات والعاطفة الحقيقية، ثم يتم ترجمتها إلى حركات وتعبيرات جسدية وصوتية طبيعية، وبدوره، رأى الوهايبي أن التمثيل عملية متكاملة، تجمع بين الداخل والخارج، مشيراً إلى أن التوازن بين المشاعر الحقيقية والقدرة على التحكم الأكاديمي والتقني هو ما يصنع الأداء المقنع.
وتحدث عدد من المتداخلين، عن صدق وعنفوان الممثل الفطري بمقابل الطابع الميكانيكي والروتيني الذي صار يغلب على أداء بعض الممثلين أصحاب التجربة الطويلة.
ووردت في المداخلات، إشارات إلى أعلام في مجال التمثيل المسرحي العربي دخلوا إلى الساحة بخبرات محدودة، ولم ينتسبوا إلى معاهد، ولكنهم أجادوا ونجحوا في ترسيخ أسمائهم مثل يحيى الفخراني، بينما تكلم البعض الآخر عن الإضافات النوعية التي أحدثتها مدارس ومختبرات التمثيل المسرحي الجديدة.
وفي ختام السهرة، شكر أحمد بورحيمة مدير "الأيام"، المشاركين على طرحهم الفكري الغني، وقدم لهم شهادات تقديرية.