جار التحميل...
الشارقة 24 – أسعد خليل:
أبلغ الطبيب النفسي لمنتخب البرازيل المدرّب فيسنتي فيولا أن بيليه، ابن السابعة عشرة، ليس ناضجاً بما فيه الكفاية لخوض مونديال 1958، ردّ عليه فيولا معتمداً على غريزته "قد تكون على حقّ، لكنك لا تفقه شيئاً في كرة القدم"، وشارك الجوهرة وقاد "سيليساو" لأوّل لقب بتاريخها، في طريقه لأن يصبح "ملك اللعبة".
و"إذا كانت ركبة بيليه جيّدة سيلعب"، تابع فيولا في إشارة إلى إصابة اللاعب اليافع في مباراة تحضيرية، واكتفى اللاعب الوحيد الذي أحرز 3 ألقاب مونديالية، بخوض مباراة الاتحاد السوفياتي في الدور الأول، قبل أن يسجّل هدف المباراة الوحيد في ربع النهائي ضد ويلز، ولعب دوراً كبيراً في تخطي فرنسا في نصف النهائي (5-2) بثلاثية، قبل أن يتألق في النهائي أمام السويد (5-2) مسجلاً هدفين.
بات بيليه، بعمر 17 عاماً و249 يوماً، أصغر لاعب يفوز بكأس العالم، كما نجحت البرازيل في أن تصبح أول دولة تحرز اللقب خارج قارتها، بتنظيم تكتيكي ثوري 4-2-4، بدلاً من 5-3-2 أو 3-4-3 التقليديين، اعتمد على لعب دينامي عبر الأجنحة.
وخلّد بيليه الرقم 10، لكن عن طريق الخطأ، إذ نسيت البرازيل إرسال أرقام لاعبيها إلى الاتحاد الدولي (فيفا)، فتمّ اختيارها بطريقة عشوائية، وحصل حارس المرمى جيلمار على الرقم 3 وقلب الدفاع زوزيمو على الرقم 9، وشاءت الصدف أن ينال بيليه الرقم 10، الذي التصق بتاريخ اللعبة.
وقال عنه مدرب اللياقة باولو أمارال: "يسدّد باليسار واليمين وكانت لديه رؤية استباقية لكل شيء ما أن يلمس الكرة، كان خارقاً".
وتحدّ إدسون أرانتيس دو ناسيمنتو (بيليه) عن هدفه الرائع ضد ويلز، وهو الأول له من أصل 12 في كأس العالم "اعتقد أنه أكثر هدف لا يُنسى في مسيرتي".
وبدوره، قال كليف جونز جناح ويلز "لم نكن نعرف شيئاً عن بيليه، وركّزنا على غارينشا وديدي، فهذا الطفل البالغ 17 سنة، من هو؟ لم نكن نعلم، لكننا اكتشفنا ذلك".
ارتبطت البطولة أيضاً باسم غارينشا، وكان طفلاً فقيراً ذا جسم نحيف وُلد بتشوّهات خلقية مع اعوجاج في الركبتين، والعمود الفقري والحوض، ودعا أهله ليل نهار حتى يتمكن ابنهم من الوقوف والمشي ولو بطريقة غير سليمة.
وتحدّى "مانيه" الإعاقة بمراوغات بارعة جعلت منه أشهر جناح أيمن، وقيل عنه "أنه بالنسبة لكرة القدم، كبيكاسو في الفن"، لكن الملاك صاحب الساقين الملتويين فارق الحياة عام 1983 عن 49 عاماً، بعد إدمانه على الكحول ومعاناته المادية.
وبعد النهائي أقرّ قائد السويد نيلس ليدهولم "خسرنا المباراة النهائية بسببه (غارينشا)، لقد صنع هدفين خارقين".
صحيح أن مونديال 58 ارتبط ببيليه، وغارينشا والفرنسي المولود في مراكش جوست فونتين، الوحيد الذي سجّل 13 هدفاً في نسخة واحدة بعد مشاركة غير متوقعة بدلاً من زميله المصاب رينيه بليار، إلا أن أفضل لاعب في البطولة كان ديدي.
هذا اللاعب الذي أمضى 6 أشهر على كرسي متحرّك بعمر الـ 14، بعد ركلة عنيفة تطوّرت إلى التهاب كاد يؤدي إلى بتر رجله، وموّن بنجاح المهاجمين فافا وبيليه وغارينشا وزاغالو، ثم قاد البرازيل بعد 4 سنوات للقبها الثاني.
وأصبح خبير الركلات اللولبية الساقطة "فوليا سيكا" (الورقة الجافة) التي الهمت التسديدات العصرية لجونينيو، وأندريا بيرلو وكريستيانو رونالدو.
وعشية المباراة الحاسمة مع الاتحاد السوفياتي في الدور الأول، طرق ديدي، 30 عاماً، مع المخضرم نيلتون سانتوس والقائد بيلّيني باب المدرّب فيولا طلباً بالدفع بلاعب الوسط زيتو، لمنح حرية إضافية لديدي إلى جانب المهاجمين، فوافق المدرّب، ولولا الحارس السوفياتي العملاق ليف ياشين لكانت النتيجة أعمق بكثير من هدفي فافا.
وبعد تلقي هدف مبكر أمام السويد في النهائي، ارتعب زملاؤه وهرع إليه ماريو زاغالو، الذي أخذ في البطولة مكان لاعب آخر يخشى الطيران، وهو يصرخ "أسرع، نحن نخسر"، فأجابه ديدي بهدوء "استرخ يا زاغالو، فنحن أفضل منهم، سنسجّل الكثير من الأهداف"، وانتهت المباراة 5-2 للبرازيل أمام نحو 50 ألف متفرّج على ملعب راسوندا في ستوكهولم.
- حراك -
كان هناك حراك كبير في كرة القدم خلال الفترة التي سبقت كأس العالم، حيث ظهرت مسابقة أندية جديدة في القارة العجوز أطلق عليها الكأس الأوروبية، وسُمّيت فيما بعد دوري أبطال أوروبا، وكذلك بدأ التحضير لكأس أمم أوروبا ونظيرتيها في آسيا وإفريقيا.
وشهدت كأس العالم 1954 بثاً تلفزيونياً لأول مرة، تطوّر في النسخة الجديدة وأصبح بثاً عالمياً، لكن دول أوروبا الشرقية لم تتلق البث لعدم جاهزيتها.
وأقيمت كأس العالم في السويد التي لم تتضرّر بالحرب العالمية الثانية، بمشاركة 16 منتخباً، بينها 12 من أوروبا، وظهر البطل الأولمبي الاتحاد السوفياتي للمرة الأولى.
وتأثّرت إنجلترا بكارثة مطار ميونيخ، حيث تحطمت طائرة نادي مانشستر يونايتد عند إقلاعها، ما أسفر عن مقتل 8 لاعبين قبل 4 أشهر من المونديال، أبرزهم اللاعب الصاعد دانكن إدواردز متأثراً بجراحه.
وخطفت البرازيل وفرنسا الأضواء، في أوّل بطولة دون مؤسّسها الفرنسي جول ريميه، الذي توفي قبل سنتين، بإحراز الأولى اللقب والثانية لحلولها ثالثة، علماً أن الترشيحات كانت تصبّ في مصلحة الاتحاد السوفياتي والسويد وألمانيا الغربية ويوغوسلافيا.
قدِم فريق المجر وهو منهار تماماً بسبب هروب أغلب اللاعبين خارج البلاد نظراً للغزو السوفياتي، فلم يحضر من الفريق القوي الذي اكتسح خصومه في البطولة السابقة وحلّ وصيفاً سوى حارس المرمى ومدافع، في ظل غياب أمثال بوشكاش وكوتشيش وتسيبور الذين فرّوا إلى إسبانيا.
وهُزمت المجر أمام ويلز بالمباراة الفاصلة (بلاي أوف) ضمن الدور الأوّل، في ظلّ إعدام الاتحاد السوفياتي الزعيم المجري إيمري ناغي قبل يوم من المباراة، وتأثّر اللاعبون والجماهير التي رفعت الرايات السوداء حداداً على روحه.