ناقش المنتدى الإسلامي في الشارقة، على مدار يومين، "تقنين الفقه وتطبيقاته المعاصرة"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والقضاة والخبراء، في ندوة علمية عقدت في الشارقة، بهدف تعزيز الوعي الشرعي والقانوني ومواكبة التطورات التشريعية الحديثة.
الشارقة 24:
عقد المنتدى الإسلامي ندوة علمية متخصصة بعنوان "تقنين الفقه وتطبيقاته المعاصرة"، وذلك على مدار يومين، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والقضاة والخبراء في مجالات الفقه والتشريع، في إطار جهوده الرامية إلى تعزيز الوعي الشرعي والقانوني، ومواكبة المستجدات التشريعية المعاصرة.
شهد اليوم الأول عقد جلستين علميتين، حيث تناولت الجلسة الأولى «تقنين الفقه: التعريف والمفاهيم»، قدمها سعادة د. يوسف حميتو، أستاذ جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، إذ استعرض مفهوم التقنين الفقهي بوصفه عملية تنظيم الأحكام الشرعية في صياغة قانونية واضحة ومُلزمة، مع بيان الفرق بين الفقه التقليدي والقانون المقنن، وأبرز التحديات المرتبطة بتحويل الاجتهادات الفقهية إلى مواد قانونية قابلة للتطبيق. كما تناول نشأة فكرة التقنين في العالم الإسلامي وتطورها، وأهميتها في تحقيق الاستقرار التشريعي وتيسير عمل القضاء.
وفي المحور الثاني من الجلسة ذاتها، ناقش سعادة المستشار القاضي بمحكمة الأسرة الدكتور حسن الحسيني «طرق إقرار القوانين في دولة الإمارات العربية المتحدة»، موضحاً المراحل التشريعية التي تمر بها القوانين بدءاً من إعداد مشاريع القوانين، مروراً بمراجعتها من الجهات المختصة، وصولاً إلى اعتمادها وإصدارها، وأكد أن دولة الإمارات تمثل نموذجاً متفرداً في تكامل مصادر التشريع، حيث تستند إلى الشريعة الإسلامية كمصدر رئيس، إلى جانب القوانين الوضعية الحديثة، بما يضمن تحقيق العدالة والمرونة في التطبيق، مع توظيف أفضل الممارسات القانونية العالمية.
أما الجلسة العلمية الثانية، فجاءت بعنوان «إسهام الفقه الإسلامي في تطوير الأنظمة القانونية الحديثة»، حيث تناولت عدة محاور، من أبرزها: دور القواعد الفقهية الكبرى مثل “الضرر يزال” و“المشقة تجلب التيسير” في صياغة القوانين المعاصرة، وإسهام الفقه في مجالات الأحوال الشخصية والمعاملات المالية، كما تم استعراض نماذج من التشريعات الحديثة المستندة إلى الفقه الإسلامي، خاصة في الأنظمة المصرفية والتمويل الإسلامي، مما يعكس مرونة الفقه وقدرته على مواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي اليوم الثاني، تواصلت أعمال الندوة عبر جلستين علميتين، حيث ناقشت الجلسة الأولى «دور الاجتهاد القضائي في تفعيل التقنين الفقهي»، وركزت على أهمية الاجتهاد القضائي في تفسير النصوص القانونية ذات الأصول الفقهية، وآليات الترجيح بين المذاهب الفقهية المختلفة عند غياب النص الصريح. كما تم تسليط الضوء على دور السوابق القضائية في توحيد الأحكام وتعزيز الاستقرار القانوني، مع إبراز أهمية التأهيل الفقهي للقضاة في التعامل مع القضايا المعاصرة.
أما الجلسة الثانية، فجاءت بعنوان «القواعد الفقهية ودورها في الصياغة القانونية»، حيث تناولت كيفية توظيف القواعد الكلية في بناء نصوص قانونية مرنة وشاملة، تسهم في تقليل التعارض بين الأحكام. كما ناقشت الجلسة دور مؤسسات الاجتهاد الجماعي في تقنين الفقه، مع استعراض تجربة هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) كنموذج رائد في تطوير معايير شرعية موحدة تخدم القطاع المالي الإسلامي، وتدعم توحيد المرجعيات الفقهية على المستوى الدولي.
وتبرز أهمية تقنين الفقه في كونه يعكس قدرة الشريعة الإسلامية السمحة على مواكبة حاجات الأمم عبر مختلف العصور، واستيعاب التحولات المتسارعة في المجتمعات، كما يسهم في مناقشة الجوانب المتعددة المرتبطة بصياغة القوانين في ظل المستجدات الراهنة. وتأتي هذه الجهود في مرحلة مفصلية تتطلب تعزيز توحيد المرجعيات القضائية، وتطوير منهجية علمية رصينة لعلم التقنين الإسلامي، بوصفه مصطلحاً ذا أبعاد معرفية وتشريعية عميقة، يربط بين الأصول الفقهية ومتطلبات الواقع القانوني المعاصر.
وتؤكد الندوة حرص المنتدى الإسلامي على دعم البحث العلمي المتخصص، وفتح آفاق الحوار بين الفقهاء والقانونيين، بما يسهم في تطوير منظومة تشريعية متكاملة تستند إلى القيم الإسلامية وتواكب تحديات المستقبل.