جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

كيف تُعيد الشارقة رسم خريطة التاريخ عبر التنقيبات الأثرية؟

11 نوفمبر 2025 / 9:34 AM
كيف تُعيد الشارقة رسم خريطة التاريخ عبر التنقيبات الأثرية؟
download-img
ُجسّد إمارة الشارقة نموذجاً فريداً في الجمع بين حماية التراث الأثري والنهضة العلمية والثقافية، وذلك بفضل الرؤية الثاقبة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي جعل من الآثار والبحث العلمي محورين أساسيين في بناء الهوية الحضارية للإمارة، ووسيلة لفهم الإنسان ومسيرته عبر العصور.

آمن سموه منذ عقود بأن التاريخ ليس مجرد ماضٍ منقوش على الحجر، بل هو ذاكرة متجددة ومصدر إلهام للأجيال القادمة، ومن هذا الإيمان تأسست هيئة الشارقة للآثار كمؤسسة متخصصة تعمل على كشف مكنونات الأرض، وصون إرثها الحضاري، وإبراز دور الشارقة كمهدٍ للتاريخ الإنساني في المنطقة.

رؤية استراتيجية ومنهج علمي متكامل

تنطلق الهيئة من استراتيجية شاملة تهدف إلى اكتشاف وتوثيق ودراسة التراث الأثري لإمارة الشارقة من خلال تطبيق أحدث الأساليب الميدانية والعلمية، وربط نتائج البحث بالمؤسسات الأكاديمية والتعليمية لضمان استدامة المعرفة ونشرها.

وتتوزع أعمال التنقيب عبر مختلف المناطق البرية والساحلية والجبلية في الإمارة، من مليحة والفاية وتل أبرق بالإضافة إلى كلباء والبطائح والمدام، حيث تم اكتشاف مئات القطع الأثرية والمواقع التي تؤكد عمق التاريخ الإنساني للمنطقة.

وتنفّذ الهيئة مشاريعها بالتعاون مع بعثات بحثية دولية من أرقى الجامعات والمؤسسات العلمية في العالم مثل جامعة توبنغن الألمانية، وجامعة يورك البريطانية، وجامعة مدريد المستقلة، إلى جانب تعاون وثيق مع مراكز بحثية محلية وإقليمية، ما يجعل من الشارقة اليوم منصة علمية دولية رائدة في دراسة آثار الجزيرة العربية.

جبل الفاية.. شاهد على الوجود الإنساني المبكر

من أبرز الإنجازات البحثية التي رسخت مكانة الهيئة على الخريطة العالمية، تأتي الدراسة العلمية الخاصة بموقع جبل الفاية في الشارقة، والتي أكدت أن هذا الموقع يُعد أحد أقدم الشواهد على الوجود البشري في شبه الجزيرة العربية.

فقد كشفت الأبحاث المشتركة بين هيئة الشارقة للآثار وعدد من الجامعات العالمية عن مستوطنات بشرية تعود إلى أكثر من 210 آلاف عام، مما غيّر بشكل جذري فهم العلماء لطريق هجرة الإنسان العاقل من أفريقيا إلى آسيا.

وأثبتت الدراسة، التي نُشرت في مجلات علمية مرموقة، أن جبل الفاية كان مركزاً رئيسياً للحياة البشرية في عصور ما قبل التاريخ، حيث عُثر على أدوات حجرية وأساليب تصنيع متقدمة تدل على وجود حضارات متطورة عاشت في المنطقة في فترات جيولوجية مختلفة.

كما أظهرت التحاليل الجيومورفولوجية أن الظروف المناخية في تلك الحقبة كانت أكثر رطوبة وخصوبة، ما أتاح للإنسان الاستقرار في هذه المنطقة لفترات طويلة، لتصبح الشارقة بوابة عبور رئيسية في مسار تطور الإنسان القديم.

التقنيات العلمية الحديثة في خدمة الآثار

تعتمد هيئة الشارقة للآثار على منهج علمي متطور في تحليل المكتشفات الأثرية ودراستها، إذ تستخدم أحدث التقنيات لتحديد أعمار القطع، والمسح الجيوفيزيائي والتصوير ثلاثي الأبعاد لتوثيق المواقع بدقة دون المساس بطبقاتها الأصلية.

كما طوّرت الهيئة مختبرات متخصصة للترميم والتحليل الكيميائي للمكتشفات، تتيح للباحثين دراسة المواد العضوية والمعدنية، ما يسهم في فهم طبيعة الحياة القديمة والأنشطة البشرية عبر العصور.

وتمتد هذه الجهود إلى برامج الترميم والحفظ الوقائي التي تُنفّذ وفق معايير اليونسكو، حيث تُرمم القطع الأثرية وتُحفظ ضمن بيئة محكمة في مخازن الهيئة، لتُعرض لاحقاً في متاحف الشارقة أو في معارض دائمة ومؤقتة تتيح للجمهور الاطلاع على تاريخ الإمارة.

تأهيل الكوادر الوطنية وبناء منظومة بحثية مستدامة

تؤمن الهيئة بأن حماية التراث لا تكتمل إلا بتأهيل الكوادر الوطنية المتخصصة في علم الآثار، ولذلك أطلقت برامج تدريبية ميدانية ومخبرية بالتعاون مع الجامعات المحلية والدولية، تهدف إلى صقل مهارات الطلبة والباحثين الإماراتيين وإشراكهم في أعمال التنقيب والتحليل والتوثيق.

كما تعمل الهيئة على توطين الخبرة الأثرية عبر نقل المعرفة من البعثات الدولية إلى الكفاءات الإماراتية الشابة، التي أصبحت اليوم تقود عدداً من المشاريع الأثرية الكبرى في الإمارة.

وفي موازاة ذلك، تُولي الهيئة اهتماماً بنشر الوعي المجتمعي والثقافة الأثرية من خلال برامج تعليمية وورش عمل ومعارض ميدانية تستهدف المدارس والجامعات والمؤسسات المجتمعية، بهدف تعزيز ارتباط المجتمع بتراثه التاريخي وغرس روح الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.

من الماضي إلى المستقبل

بفضل هذه الجهود، أصبحت إمارة الشارقة اليوم مركزاً علمياً وثقافياً متقدماً في مجال الدراسات الأثرية، ومقصداً للباحثين والخبراء من مختلف أنحاء العالم.

وتعد هيئة الشارقة للآثار نموذجاً مؤسسياً في إدارة التراث الأثري وفق رؤية علمية مستدامة. ولا تكفي بتوثيق الماضي، بل يمتد إلى تحول المعرفة التاريخية إلى موردٍ ثقافي وتنموي يعزز الاقتصاد الثقافي والسياحة المستدامة، ويؤكد أن التراث ليس فقط ذاكرة، بل استثمار في الوعي والهوية والمستقبل.

 

November 11, 2025 / 9:34 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.