من يقف على أبواب معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 44، في ساعات الصباح الأولى، يدرك أن شيئًا غير اعتيادي يحدث هنا، ليس معرضًا عابرًا، ولا مهرجانًا موسميًا، بل ظاهرة تربوية وثقافية وروحية تتشكل كل يوم أمام أعيننا، حين تتدفق حشود الأطفال والطلبة كأنهم رقائق نور تمضي نحو مصدر إشعاعها.
وتراهم يمسكون دفاترهم الصغيرة، وحقائبهم الملونة، وفضولهم العظيم، ويتحركون بخطوات تسبق أعمارهم نحو عالم يعرفون أنه أكبر من الفصول الدراسية، وأوسع من الكتب المدرسية، وأكثر دهشة من ضجيج الحياة اليومية.
إن الشارقة، برؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، لم تفتح أبواب المعرض ليكون متجرًا للكتب، بل فتحته ليكون مدرسة ممتدة، تعلّم الطفل قبل أن يعرف كيف يتهجّى، وتمنحه الخيال قبل أن يكتشف قوانين الحساب، وتزرع فيه السؤال قبل أن يتعلم الإجابة.
وأراد سموّه للكتاب أن يكون رفيقًا، لا ضيفًا عابرًا؛ وأن يصبح المعرض فضاءً يتشكل فيه الطفل ليكون قارئًا لا مستهلكًا، ومفكرًا لا مجرد دارس، وشريكًا في الحكاية لا متفرجًا عليها.
ولأن الطفل لا ينمو بعقله فقط، بل بروحه أيضًا، جاءت رؤية سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والطفل، لتكمل هذه اللوحة الإنسانية العظيمة، فمن مبادراتها التي تحتضن الطفل، إلى مؤسساتها التي تصنع منه مشروعًا واثقًا، نرى أثرًا واضحًا في كل زاوية من زوايا المعرض، وفي كل نشاط يُقام، وفي كل حدث يُوجَّه للأطفال، إنها رؤية تؤمن بأن العناية بالطفل ليست مسؤولية تربوية فحسب، بل مسؤولية حضارية.
ولذلك، لا عجب أن المعرض تحوّل إلى وعاء هائل للطاقة الفكرية، يتدفق فيه الأطفال من مختلف المدارس في تناغم يثير الدهشة، وتتلاقى حافلات المدارس عند المداخل وكأنها أنهار تتجه إلى بحر واحد، فيدخل الأطفال في مجموعات، يتوزعون بين الأجنحة، يمدّون أيديهم إلى الكتب كما لو أنهم يلمسون شيئًا مقدسًا، ويغادرون وهم يحملون في حقائبهم كتبًا، وفي قلوبهم سؤالًا، وفي خيالهم شرارة جديدة.
إن هذا المشهد المتكرر كل صباح ليس مشهدًا عابرًا؛ إنه منهج تعليمي ممتد، تعلمه الشارقة للعالم دون أن تنطق بكلمة.
فالمدارس لم تعد مفصولة عن المعرض، ولا المعرض منفصلًا عن المدارس؛ إنها علاقة تكامل وانسجام، حيث تصبح القراءة جزءًا من اليوم الدراسي، والطفل جزءًا من المشهد الثقافي، والمعلم شاهدًا على تحول المعرفة إلى حالة يومية لا مناسبة موسمية.
وربما أجمل ما في الأمر أن الطفل في الشارقة، في عامه الأول كما في عامه الأخير بالمدرسة، يجد في المعرض ما يناسبه؛ فالرضيع يُقرأ له، والطفل يتعلم الحكاية، واليافع يبحث عن المعنى، وكلهم يجدون في الكتاب مرآةً تكبر معهم، ولا شيء أكثر جمالًا من رؤية طفل يتقدم بكتاب يفوق حجمه، أو يختار قصة لا يفهم كل كلماتها، لكنه يشعر بأنها تنتمي إليه بطريقة ما… فهنا يبدأ التكوين الحقيقي للقارئ.
وفي معرض الشارقة للكتاب، يتحوّل الطفل من متلقٍ إلى بطلٍ روائي، ومن صفحة بيضاء إلى صفحة مكتوبة بالألوان، ومن كائن صغير يكتشف العالم إلى كائن كبير يرى العالم بعيون مختلفة.
ولأن كل طفل هو مشروع حضارة، جاءت الشارقة لتقول للعالم: إذا أردتم مستقبلًا أفضل، فابدأوا بالطفل، وأعطوه كتابًا.
إن هذه الدورة الـ 44 ليست رقمًا؛ إنها فصل جديد من حكاية طويلة، بدأتها الشارقة منذ عقود، لتصنع جيلًا ينهل من المعرفة كما ينهل من الماء، ويشبّ على القراءة كما يشبّ على الهواء، ويتحرك نحو المستقبل وفي يده كتاب، وفي عقله وعي، وفي قلبه انتماء.
والحقيقة أن الطفل الذي يزور المعرض اليوم ليس مجرد زائر؛ إنه شاهد على مشروع حضاري، وركن أساس في رؤية واسعة تقودها الشارقة نحو غدٍ أكثر إشراقًا، وإذا كان للكتاب أن يحكي، لقال:" إن هذا المكان لم يُبنَ ليُباع فيه الورق، بل ليُنسج فيه المستقبل".
وهكذا، يمضي الطفل كل يوم، وخلفه المعرض يودعه بابتسامة، وأمامه الحياة تفتح دروبها، ويحمل كتابه الصغير، ويواصل طريقه.
ففي الشارقة، الكتاب ليس مجرد كتاب، والطفل ليس مجرد طفل؛ إنها علاقة حبّ، وصناعة أمل، وحكاية لا تنتهي، وحين نقرأ هذه الحكاية بعين القلب، ندرك أن ما يجري هنا ليس مجرد نشاط ثقافي، بل معجزة تربوية تصنعها الشارقة للعالم.