في كل مدينة حكاية، وفي كل حكاية روح، غير أن للشارقة حكاية تتجاوز المكان إلى معنى أكبر، يمتد من الذاكرة إلى المستقبل، ومن الإنسان إلى الكون، هذه المدينة تأسرك قبل أن تراها، لأنها تحمل في كل زاوية منها دعوة صامتة مفادها انهلوا العلم من الشارقة.
فالإمارة الباسمة تجاوزت حدود جغرافيتها على خريطة الوطن، لتشكل مشروعاً حضارياً متكاملاً أراده صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، أن يكون للإنسان، ومن الإنسان، وبالإنسان، مشروع يرى في المعرفة ضوءًا وفي الكتاب سلمًا وفي العلم طريقًا لارتقاء الأمم.
لقد علّمنا الأدباء، أن المدن تُقاس بمقدار ما تمنحه لأهلها من قيم وعلوم ومعارف، والشارقة، كما تتكامل رؤاها كمدينة تقرأ بوعي، وتكتب بحلم، وتبني بخطى ثابتة نحو إنسان أرقى.
واليوم، ونحن نعيد قراءة رؤيته، ندرك أن مشروع الشارقة الثقافي لم يكن يومًا فعلاً طارئًا، بل هو جذع أصلٍ تمتد فروعه إلى كل بيت ومدرسة وجامعة ومسرح ومكتبة.
وليس غريبًا أن يكون معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 44 شاهداً على نجاح هذا المشروع، فقد أصبح المعرض أحد أعظم المنارات الثقافية في العالم، يجتمع فيه الفكر بأجنحته المتنوعة: كاتب وقارئ ودار نشر وكذلك أفكار تتجاوز حواجز اللغة.
وهنا، في أروقة هذا الحدث، تتلاقى الحضارات، فتتشكل حوارات جديدة، ويتربى جيل يرى في الكتاب فرصة لا تقل أهمية عن أي أساس من أسس العمران، فمعرض الشارقة الدولي للكتاب هو رسالة سنوية تقول بصوتٍ واضح: "إن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الحقيقي".
وحين نتحدث عن العلم في الشارقة، فلا بد أن نلامس شغاف الجامعات والكليات التي ازدهرت في الإمارة، بدءًا من جامعة الشارقة والجامعة الأميركية في الشارقة، وصولًا إلى الجامعة القاسمية التي تمثل مشروعًا إنسانيًا فكريًا فريدًا، انطلق من رؤية سامية تسعى لإعداد طلاب قادرين على تقديم صورة حضارية للإسلام واللغة العربية للعالم.
فهذه الجامعات ليست مباني حجر، بل منظومات بحثية وتربوية متقدمة، تُنشئ جيلًا واعيًا يعرف كيف يوازن بين الهوية والانفتاح، وبين الأصالة والتجديد.
إن الاهتمام بالتخصصات العلمية، وتطوير المناهج، وتوسيع برامج الدراسات العليا، ليس إلا امتدادًا لرؤية الشارقة في أن تكون منارة علمية لا يتوقف نورها.
إن من يتتبع مسيرة العمران في الشارقة يدرك أن النمو الاقتصادي والعمراني ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتمكين الإنسان، ففي كل مدينة من خورفكان إلى كلباء، ومن مليحة إلى الذيد، ومن دبا الحصن إلى البطائح والمدام، نجد مشاريع خدمية وتنموية تستهدف جودة الحياة مثل الطرق الحديثة، والحدائق، والمسارح، والمكتبات، والمراكز الشبابية، والمرافق الرياضية، والمناطق الحضرية مخططة بعناية.
ولعل أهم ما يميز هذه المشاريع هو أنها مبنية على قيمة أساسية رسخها صاحب السمو حاكم الشارقة مفادها، أن الإنسان هو البداية والنهاية، فلا مشروع يُقام إلا لأجل راحته، ولا قرار يُعتمد إلا لخدمته، ولا رؤية تُطرح إلا من أجل فتح مساحات جديدة للارتقاء بمستواه.
وإيمانًا بهذه القيمة وامتدادا لهذه الرؤية، تعمل دائرة شؤون الضواحي على تعزيز روح المجتمع وتعميق الترابط الأسري والاجتماعي، عبر مبادرات تمتد إلى كل منطقة وكل بيت، وتعمل مجالس الضواحي في فضاء إنساني يشعر الفرد بأنه قريب من صوته، وقريب من مجتمعه، وقريب من هويته، وأنه جزء من مشروع الشارقة الكبير الذي لا يكتمل إلا بمشاركة الناس فيه.
إن النهل من الشارقة ليس دعوة للقراءة فقط، بل دعوة للمعنى: معنى أن تكون جزءًا من مشروع ثقافي يرى في الإنسان قيمة، وفي المعرفة جناحًا، وفي التنمية طريقًا ممتدًا لا يتوقف.
ومن ينهل من الشارقة ينهل من تاريخ حافل منذ أن كانت الإمارة ميناءً للتجارة البحرية، إلى أن أصبحت اليوم عاصمة عالمية للكتاب، ومركزًا للفنون، ومدينة جامعية، ومنظومة خدماتية متطورة.
ومن ينهل من الشارقة، ينهل من رؤية قائد وهب عمره للعلم والثقافة، ووضع بصمته في كل مدرسة ومسرح ومتحف وقرية أثرية ومدينة متقدمة.
ومن ينهل من الشارقة، ينهل من قصة مدينة اختصرت حلم الوطن في كلمة واحدة: الإنسان.
إن الشارقة كتاب مفتوح ورواية حضارية تتقاطع فيها فصول الأدب والعلم والتاريخ والتنمية، وما على القارئ إلا أن يفتح الصفحة، ويبدأ الرحلة، ويوقن أن العلم الذي يُنهل من الشارقة، هو علم يبقى أثره ما بقيت الحضارة.
انهلوا العلم من الشارقة… فهنا يولد الفكر، وتكبر الأحلام، وتُكتب فصول المستقبل.