جار التحميل...
الآن تقف الموارد البشرية حائرةَ تتساءل: أتحسب له ساعتين فقط من العمل أم يوماً كاملاً؟
سؤال بيروقراطي يختزل مأساة إنسانية كأنما الحياة كلها صارت تقاس بأرقام على كشف الرواتب.
نحن نلهث وراء لقمة العيش، نسرع خلف المواعيد، ونتراكم فوق كراسينا كما تتراكم الأوراق على المكاتب، ننسى أننا بشر من لحم ودم، ننسى أن قلوبنا تضخ مشاعر قبل أن تضخ دماءً، ننسى أن أعمارنا تنقص مع كل تقرير نكمله مع كل اجتماع نحضره، مع كل ساعة عمل إضافية نقضيها بعيداً عن أحبائنا.
وفي النهاية، يموت رجل على كرسيه في مكان اعتاد أن يراه 8 ساعات يومياً وكأن الموت احتقر حتى انتظار عودته إلى بيته، إلى أحضان أسرته، إلى مكان قد يليق بنهاية إنسان.
وتظل الإدارة تحسب: ساعتان أم يوم كامل؟
أي فرق هذا يا ترى أمام ملايين الساعات التي قضاها عاملاً؟
أي معنى لهذه الحسبة الباردة أمام الدقائق الأخيرة التي أغمض فيها عينيه وحيداً؟
العبرة ليست في ساعتين أو 8 ساعات، العبرة في أننا نضيّع حياتنا ونحن نظن أننا نكسب عيشنا، نهمل صحتنا ونحن نعتقد أننا نبني مستقبلنا، نغيب عن أحبائنا ونحن نتخيل أننا نؤمن لهم متطلبات الحياة.
ربما كانت نهاية هذا الرجل رسالة لكل منا:
توقف قليلاً..
انظر حولك..
تنفس بعمق..
احتضن طفلك..
قل لزوجتك أنك تحبها..
زر صديقاً..
اقرأ كتاباً..
امش تحت المطر..
فالحياة ليست ساعات عمل نحسبها في الجداول، الحياة هي تلك اللحظات الصغيرة التي نعيشها بقلوبنا قبل عقولنا، بتوازننا قبل جنوننا، وبإنسانيتنا قبل وظائفنا.
في النهاية، لن يذكر أحد كم ساعة عملت، لكنهم سيتذكرون كم أضفت من دفء، كم منحت من حب، وكم تركت من أثر جميل في قلوب من حولك.
فلا تدع الحياة تجرفك كما جرفت صاحبنا، ولا تنتظر حتى يحسبوا لك الساعتين أم اليوم الكامل، وأنت ما زلت تملك الوقت لتعيش.