جار التحميل...
وفي مقالي هذا سأحاول تسليط الضوء على الدور المحوري الذي لعبته دولة الإمارات حكومة ومؤسسات في تحويل هذا "المنخفض" من كارثة محتملة إلى مجرد "حالة جوية" تم تخطيها بأقل الأضرار مستعرضاً آليات التخطيط الاستباقي والتنسيق المؤسسي ودور التكنولوجيا والحكمة في إدارة الأزمات.
ما ميز تعامل الإمارات مع هذا المنخفض هو الانتقال من مفهوم "إدارة الأزمة" (وهي التعامل مع الكارثة بعد وقوعها) إلى مفهوم "إدارة المخاطر" (وهو توقع الخطر وتحييده قبل حدوثه)، ولم تكن استجابة المؤسسات لحظة وصول الأمطار بل سبقتها بأيام.
لقد شكلت الاجتماعات المكثفة التي عقدتها الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات (NCEMA) مع المركز الوطني للأرصاد ووزارة الداخلية وشركاء استراتيجيين آخرين غرفة عمليات متقدمة كانت هذه الاجتماعات تعقد لتحليل الخرائط الجوية وبيانات الرادار ليس بهدف "الإنذار" فقط بل "للاتخاذ القرار" هذا الاستباق هو جوهر الحكمة الإماراتية: "درهم وقاية خير من قنطار علاج" حيث تم تحويل التوصيات الجوية إلى خطط تنفيذية ملموسة قبل أن تتبلل أول قطرة مطر الأرض.
لم تكن الاستجابة عملاً فردياً بل كانت عملاً مؤسسياً متكاملاً أشبه بأوركسترا يقودها قائد ماهر فبينما أعلنت NCEMA عن رفع درجات الاستعداد وتفعيل خطط استمرارية الأعمال تحركت بقية المؤسسات كل في اختصاصها:
- دور أمني واستباقي: قامت القيادة العامة لشرطة دبي بتفعيل خطة الاستجابة للطوارئ التي لم تقتصر على نشر الدوريات بل شملت استخدام منصات رقمية متطورة لرصد الطرق المغمورة بالمياه وتوجيه الجمهور عبر تطبيقات "Waze" لسلوك مسارات آمنة هذه ليست مجرد شرطة مرور بل "منصة سلامة رقمية".
- مرونة في العمل: لم تنتظر المؤسسات الحكومية والخاصة أوامر الإخلاء بل بادرت بتطبيق نظام "العمل عن بعد" للوقت الذي تزامن مع ذروة الحالة الجوية هذا القرار قلل الازدحام المروري بشكل كبير وحافظ على سلامة الموظفين وضمن استمرارية العمل في نفس الوقت.
- حماية البنية التحتية: في لحظة كانت فيه المياه تهدد بغرق المحولات وخزانات المياه تحركت وزارة الطاقة والبنية التحتية وفرق الصحة بسرعة لمعالجة أي تسربات وضمان سلامة مياه الشرب عبر تعقيم الخزانات المتضررة والتعامل الفوري مع أي حالات صحية طارئة.
- شراكة مع القطاع الخاص: حتى الأندية الرياضية مثل نادي الحمرية الثقافي الرياضي تحولت إلى مراكز لإدارة الأزمات المصغرة حيث قامت لجان الطوارئ بتوفير سكن بديل وتأمين سلامة المنشآت هذا يدل على أن ثقافة الاستعداد لم تقتصر على الدوائر الحكومية بل تسربت إلى المجتمع المدني.
كان القرار الأكثر تأثيراً هو الإغلاق الاستباقي للطرق المؤدية إلى الأودية والسدود والمناطق الجبلية هذا القرار الذي قد يبدو صارماً كان تجسيداً لقاعدة راسخة في الفكر الإماراتي: "المصلحة العامة فوق كل اعتبار".
من خلال منع المغامرين وهواة تصوير السيول من الوصول إلى تلك المناطق نجحت الدولة في تجنب سيناريو الكوارث الذي نشاهده في دول أخرى حيث تتحول لحظة تصوير "جمال الطبيعة" إلى مأساة حقيقية لقد وضعت القيادة روح الإنسان قبل متعة المغامرة وهذا هو الدرس الأعمق في الإدارة الحديثة.
لقد أثبتت تجربة "منخفض العزم" أن الطقس القاسي لا يجب أن يتحول بالضرورة إلى كارثة وطنية، والنجاح الإماراتي لم يأتِ بمحض الصدفة، بل هو نتاج:
1. التخطيط طويل المدى: استثمار في أنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية القادرة على الصمود.
2. التكامل المؤسسي: غرفة عمليات واحدة (NCEMA) تنسق جهود أكثر من 20 جهة حكومية وخاصة.
3. المرونة المجتمعية: وعي الجمهور وثقافة الالتزام بتعليمات السلامة.
في النهاية، لم تكن الإمارات مجرد "ناجية" من عاصفة بل كانت "مُدارة" لها ببراعة لقد تحول "المنخفض" من اختبار لقوة التحمل إلى فرصة لإظهار مدى نضج وتطور المنظومة الوطنية في دولة تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل مستعدة لأي تحدٍ حتى لو كان قادماً من السحب.