جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

بين اﻷصالة وحنين الذاكرة

25 نوفمبر 2025 / 3:01 PM
بين اﻷصالة وحنين الذاكرة
download-img
بعد هيمنة الحداثة على مجمل أنماط الحياة، وتحول الناس من أسلوب التأقلم مع الموجودات التي تُصنع لتسهيل أمور الحياة، إلى أسلوب الاستهلاك المَرَضِي، عصفت بالناس موجة من الحنين إلى كل ما هو قديم، وباﻷخص تلك المصنوعات من اﻷدوات واﻷجهزة والمعدات التي استخدمت في الثلثين اﻷولين من القرن العشرين.
أقول ذلك بعد ازدياد ما يسمى بالمتاحف الشخصية، التي لا تمت إلى المتاحف بشيء، فهي أقرب ما تكون إلى محلات التجزئة التي ترص فيها العلب والمعدات الصغيرة واﻷجهزة فوق بعضها البعض باحثة عن مشترٍ يتلقفها من فوق تلك الرفوف.

المقتنيات التراثية التي يمكن أن نطلق عليها قطع متحفية، لها مواصفات خاصة ومحددة أهمها المادة المصنوعة منها، فيجب أن تكون مادة طبيعية بيئية غيرة مُصَنّعة، كما أن أدوات التصنيع هي أدوات تقليدية صنعت يدوياً كذلك، علاوة على ذلك فإنها صنعت في بيئة وأجواء محلية تقليدية خالصة، في ذات البلد الذي انتمت إليه.

لقد تفوقت الدعايات التجارية على القيمة الفعلية للمنتجات التي لم تكن تستحق كل ذلك الحنين الذي ارتسم في الذاكرة وشكّل موجات متتالية من اﻷحاسيس غير الدقيقة التي تتنامى كلما ظهرت صور تلك المنتجات التجارية التي بيعت للناس في أوقات فقرهم واحتكار أذواقهم بسبب الهيمنة الاستعمارية.

فعلبة حلوى "ماكنتوش" التي حلت محل "القفّة" التراثية، والسلة البلاستيكية التي حلت محل "القفير" المصنوع من الخوص، وكوب الزجاج الذي حل محل "قرن الثور" في عملية الحجامة، وعقال خيوط النايلون الذي حل محل عقال صوف المرعز الشامي، كل تلك الاستبدالات غير المبررة، والتي قضت على مجموعات من الحرفيين والعائلات التي توارثت تلك الحِرَف جيلاً بعد جيل من أجل عيون مصانع أجنبية، استطاعت أن تزيف الأصيل وتقلب الحقائق.

مصطلح "نوستالجيا" الذي راج كثيراً هذه اﻷيام للتعبير عن حنين الذاكرة، وبالأخص الحنين إلى منتجات ومأكولات أجنبية تسللت إلى الذائقة المحلية، واستحوذت على مساحة كبيرة منها، بأسلوب دعائي احترافي لم يكن ليتخيله أحد، مصطلح أجنبي يعبر بالتحديد عن الحنين إلى ما هو أجنبي وغريب.

في صباي عندما كنت أتجول برفقة والدي أو والدتي في تلك اﻷسواق العتيقة، وهي تعج بالباعة والحرفيين الذي يبيعون المنتجات المحلية، كنت استمتع برائحة اﻷسواق وأصوات الناس والباعة المتداخلة التي كانت فيها، وتلك المشاهد والمناظر الجميلة كانت تعبر حقاً عن اﻷصالة وروحها المحلية الخالصة، لم أكن أتصور بأن كل ذلك سيختفي ويزول يوما ما.
November 25, 2025 / 3:01 PM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.