جار التحميل...
إن هذا الإحساس العميق بأن كل لحظة قاسية" تُكتَب في سجل الحسنات، وأن كل دمعة تُنسَف بها السيئات يجعل للمعاناة معنىً مقدساً.
فالألم الجسدي الذي نحتمله بصبر يتحول إلى مُكفِّر للذنوب، والحزن الذي يثقل النفس يرفعها درجات عند رب العالمين.. والطريق الطويل الشاق يقربنا إليه شبراً بشبر ولو لم نرَ هذه القربى بعيوننا الجسدية.
الحمد لله الذي جعل الصبر مفتاحاً لكل خير…فالصبر على الابتلاء ليس مجرد انتظار سلبي بل هو فعل إيجابي من أعمال القلوب التي يثيب الله عليها بغير حساب… فكم من لحظات ضيق عُبِّدت بطريق إلى الله .. وكم من أوجاع كانت سبباً في انكسار جبار فانكسرت معه حجب الغفلة .. وكم من وحدة جعلت العبد يلوذ بجناب ربه فيجد ما لم يكن يحلم به من أنس.
إن الإيمان بأن "كل هم يُصيبنا هو مُكفِّر لذنوبنا" يحول المأساة إلى نعمة والضيقة إلى فرصة.. فالنفس البشرية تبحث دوماً عن المعنى والإيمان يقدم لها أعظم معنى: أن لا شيء يضيع عند الله، وأن لا دمعة تسقط في صمت الليل .. ولا آلام مرض مزمن.. ولا هموماً تكابدها النفس في وحدة كلها محفوظة في سجل لا يضيع منه شيء.
الحمد لله.. إنها دنيا وستنقضي وأن المستقر الحقيقي هو بجوار الرحمن هذا التذكر يجعل الألم قابل للاحتساب لأنه يجعلنا ندرك أننا في معبر مؤقت، وأن كل شوكة نَدُوسها في طريقنا هي خطوة تقربنا من جنات النعيم…فلو كانت هذه الدار دار خلود لكان الألم فيها ظلماً، ولكنها دار فناء وزوال يجازى فيها الصابرون بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وختاماً.. الحمد لله دائماً وأبداً في السراء والضراء.. في الرضا والقضاء.. والحمد لله قبل الصبر وأثناءه وبعده.. فالحمد هو الإقرار بالجميل الإلهي حتى في طيّات الألم، وهو الاعتراف بأن الله أرحم بنا من أنفسنا وأعلم بما يصلح لأحوالنا.
فالحمد لله الذي جعل من معاناتنا مدرسة.. ومن آلامنا ذكريات تتبخر لتترك وراءها حسنات تبقى .. ومن دموعنا أنهاراً تجري في الجنة.. والحمد لله على نعمة الإيمان التي تضيء الظلمات وتجعل من كل ألم طريقاً إلى رضاه، ومن كل صبر لقاءً مع كرمه الذي لا يحده حد.