جار التحميل...
ووفقاً لأحدث تقديرات "مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية"، تحقق هذه الصناعات إيرادات سنوية تصل إلى 2.3 تريليون دولار أميركي، بما يعادل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتوفر ما يقارب 30 مليون وظيفة، أغلبها من نصيب الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، ما يعكس دورها المحوري في دعم النمو الاقتصادي والاجتماعي في مختلف دول العالم.
وعرّفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، الصناعات الثقافية والإبداعية، بأنها الصناعات التي تُنتج وتُسوّق السلع والخدمات ذات الطابع الثقافي، وغالباً ما تكون هذه المنتجات محمية بحقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلفين.
وتشمل هذه الصناعات مجالات عدة، منها: النشر والطباعة، الوسائط المتعددة، الإنتاج السينمائي والسمعي البصري، الفنون التشكيلية وفنون العرض، الصناعات التقليدية، وصناعة الآلات الموسيقية.
وانطلاقاً من إدراكها لأهمية هذا القطاع الواعد، وضعت دولة الإمارات خريطة طريق متكاملة للنهوض بالصناعات الثقافية والإبداعية، من خلال تبني الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية "2021 – 2031"، والتي تهدف إلى جعل هذا القطاع ضمن أهم عشرة قطاعات اقتصادية في الدولة، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 5% بحلول عام 2031، دعماً لمستهدفات مئوية الإمارات 2071، التي تسعى إلى تعزيز موقع الدولة ضمن الاقتصادات الأكثر تنافسية عالمياً، بالاعتماد على اقتصاد المعرفة والابتكار.
وأولى المجلس الوطني الاتحادي هذا القطاع، اهتماماً ملحوظاً، حيث ناقش في الفصل التشريعي السابع عشر موضوع "سياسة وزارة الثقافة"، وأصدر مجموعة من التوصيات المهمة لتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، من أبرزها: إعداد خطة وطنية شاملة تدعم الشركات والمبدعين المستقلين في هذا القطاع، خصوصاً في أوقات الطوارئ، وتوفير حوافز وبرامج تمويلية ميسّرة، إلى جانب إطلاق برامج لاكتشاف وصقل القدرات والمواهب الوطنية، والترويج لها بما يسهم في تلبية متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كما طرح المجلس، سؤالاً برلمانياً حول دور وزارة الثقافة في دعم المبادرات الثقافية ذات المجهود الفردي، وقد حظيت توصياته بقبول من مجلس الوزراء.
وعلى الرغم من أن الصناعات الثقافية والإبداعية، تساهم في تحقيق مكاسب اقتصادية وثقافية ومجتمعية كبيرة، إلا أن تطورها يرتبط بتلبية مجموعة من المتطلبات الأساسية؛ ففي مجال الأدب، تبرز أهمية وجود جهات متخصصة تُعنى بدعم وتنمية الصناعات الإبداعية الأدبية، إلى جانب العمل على استثمار الرأسمال الأدبي المحلي من خلال ربطه بمؤسسات متخصصة في اكتشاف المواهب وصقل القدرات، بما يعزز من إنتاج محتوى أدبي نوعي يعكس الهوية الثقافية للدولة.
أما في مجال الفنون، فتبرز الحاجة إلى تعزيز المهارات الفنية، وتوفير التمويل للابتكار الفني، والارتقاء بالوعي المجتمعي بأهمية الفنون، ومواكبة التحولات التقنية في طرق عرض وتقديم الأعمال الفنية.
وفيما يخص التراث، فإن المحافظة على الموروث الثقافي المحلي يتطلب تطويره وتحديثه، بما يتماشى مع المتغيرات العالمية وتوظيفه في استقطاب السياحة الثقافية التي تسلط الضوء على التراث والموروث الثقافي الأصيل.
كما أن قطاع الآثار بحاجة إلى موارد وموازنات مخصصة لتطوير المتاحف الأثرية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهميتها، فضلاً عن الاستثمار في مشاريع الحفاظ على التراث الوطني، وترويج الإنتاج الفكري المحلي.
وتبرز الحاجة اليوم، إلى مزيد من الجهود لتعزيز الوعي بأهمية الاقتصاد الإبداعي، وقياس أثره ليس فقط على الناتج المحلي، بل على التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية، باعتبار الثقافة عنصراً فاعلاً في تعزيز الانسجام المجتمعي والتنمية المستدامة.
وختاماً، فإننا نرى أهمية تكاتف جهود الجهات المعنية للإسراع في إصدار قانون للتفرغ الإبداعي، ومتابعة تنفيذ برامج الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية لتحقيق مستهدفاتها الوطنية والوصول لأهداف مئوية الإمارات 2071 فيما يتعلق ببناء اقتصاد متنوع قائم على المحتوى المعرفي، والتنوع في برامج وسياسات تمويل القطاع الثقافي من خلال إعداد برامج منح إعانات مالية لجمعيات النفع العام الثقافية والإبداعية في الدولة لتنفيذ مشاريعهم الثقافية والإبداعية، والإعفاءات الضريبية والجمركية، وسياسة الشراء التشجيعي للأعمال الفنية الإماراتية، والتعاون مع الجهات المعنية لدعم المواهب، وإطلاق حاضنات الإبداع والابتكار الثقافي في المؤسسات الثقافية، بهدف إيجاد بيئة محفزة للابتكار الثقافي والبحث والتطوير، قادرة على رسم الأفكار الإبداعية على أرض الواقع، بالإضافة إلى دورها في تمويل الإبداع والابتكار، وابتعاث الموهوبين والمختصين بالصناعات الرقمية والذكية وصناعات الإنتاج المعرفي للخارج، بهدف الاستفادة من تجارب وخبرات الدول الأخرى لتوسيع مداركهم وتنمية قدراتهم كل حسب مجاله وتخصصه.