هناك قادة يصنعون المجد، وهناك قادة يصنعون الإنسان، والشيخ سلطان من أولئك الذين جمعوا المجدين معاً، فبحكمته، ونبل أخلاقه، ملك القلوب والعقول.
ففي ذكرى تولّي الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة مقاليد الحكم، لا نستحضر تاريخاً عابراً، بل نستذكر ولادة وطنٍ جديدٍ بمعالم إنسانية، مستدعية الثقافة العريقة والتاريخ العربي المجيد، منتزعة لقب عاصمة الثقافة الإسلامية بكل جدارة، في زمن غزت فيه الحداثة.
إن ذكرى توليه مقاليد الحكم، ليست مناسبة عادية، وليست ذكرى حاكم جلس على كرسي السلطة، بل ذكرى رجلٍ تربع في قلب شعبه، فصار القلب عرشاً، وصارت المحبة دستوراً.
فمنذ تولّيه مقاليد الحكم، لم يكن همه أن يبني مجداً لنفسه، بل أن يبني وطناً يدهش العالم بالوعي العميق، والفهم الرصين للحياة وديمومة البقاء والحفاظ على كرامة الإنسان.
لذا فمنذ اللحظة الأولى، كان سلطان مشروع نهضةٍ لا يهدأ، وعقلاً يرى أبعد من الأفق، وقلباً يسع الجميع دون استثناء، فلم يكن الحكم عنده امتيازاً، بل تكليفاً ثقيلاً حمله بوقار العلماء، وبصبر الزاهدين، وبعزيمة المؤمنين برسالة الإنسان.
ففي حضرة سلطان، يتحوّل الحكم إلى فعل أخلاقي، وتتحوّل السلطة إلى مسؤولية ثقيلة، وتتحوّل الدولة إلى كتابٍ مفتوح عنوانه العدالة، وصفحاته المعرفة، وحروفه الرحمة.
فسلطان لم يكن حاكماً يصدر الأوامر، بل كان أباً يزرع الطمأنينة، ومعلماً يفتح النوافذ، ومفكراً يوقظ الأسئلة الجميلة في العقول، فكان يكتب التاريخ، وفي الوقت نفسه يصنعه.
وسلطان القاسمي ليس فقط حاكماً، بل هو ذاكرة أمة، وحارس هوية، وراوٍ للتاريخ، ومؤمنٌ بأن الثقافة ليست ترفاً بل ضرورة وجود، كما أمن بأن تكون الإمارة الباسمة أيقونة عصرها.
لذا كبرت الشارقة معه، كما يكبر الحلم في عيون طفلٍ آمن بمستقبله، كبرت بالعلم، لأن سلطان آمن أن الأمم تُبنى بالقلم قبل الإسمنت، وكبرت بالثقافة، لأن الروح إن لم تُغذَّ تموت ولو امتلأت الجيوب، وكبرت بالإنسان، لأن الإنسان عند سلطان هو القضية الأولى والأخيرة.
ولأن المدن تشبه حكامها كما أرى، أصبحت الشارقة مدينة تشبه قصيدة طويلة، كل شارع فيها بيت شعر، وكل جامعة سطر حكمة، وكل مسرح نبض روح، وكل نشاط يروي قصة الإمارة الباسمة.
واليوم وفي ذكرى تولّيه الحكم، نقف بإجلال أمام رجلٍ لم يغيّره المنصب، بل زاده تواضعاً، ولم تُثقله المسؤولية، بل زادته نقاءً.
وفي الأخير، نقولها بصدقٍ من أعماق القلوب شكراً لأنك جعلت الشارقة وطناً يُحَبّ، وشكراً لأنك جعلت الحكم رسالة، وشكراً لأنك علمتنا أن أعظم أشكال القوة هي الرحمة.