في مدينة الذيد، حيث تتجاوز ذاكرة الواحة اتساع الصحراء، تتجلّى رؤية تنموية مختلفة، لا تُقاس فقط بحجم المباني أو عدد المرافق، بل بما تصنعه من أثرٍ مباشر في الإنسان والمكان.
فالمشاريع التي أطلقها مؤخرا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لا تبدو مشاريع منفصلة في مجالات متعددة بقدر ما تبدو منظومة واحدة ذات هدف واضح يرتكز على بناء الإنسان وتعزيز علاقته ببيئته وتراثه وثقافته، مشاريع تتحدث إلى المجتمع بلغته الحقيقية؛ لغة التاريخ، والذاكرة، والحياة اليومية، والاحتياج الطبيعي للمعرفة والاستقرار والتواصل.
هذه المشاريع لا تأتي بوصفها منشآت منفصلة، بل كمنظومة متكاملة تُحاكي طبيعة الذيد ومكانتها؛ فهي مدينة عُرفت عبر القرون بوصفها محطة قوافل، وواحة استقرار، وموئل ماء وزراعة، ومركزاً اجتماعياً يتقاطع فيه الناس والطرق والحكايات.
وتجسد هذه المشاريع رؤية صاحب حاكم الشارقة في أن التنمية ليست إسمنتاً فقط، بل ثقافة، وبيئة، وكرامة تاريخ، ووعي مجتمع. وفي الذيد تحديداً، تبدو هذه الرؤية أكثر وضوحاً؛ إذ تعود الإمارة بمشاريع جديدة إلى المدينة، لا لتغيرها عن طبيعتها، بل لتطوّرها بما ينسجم مع روح أهلها وعاداتهم وتقاليدهم، ويجعل من الذيد نموذجًا لمدينة تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين التراث والتنمية، وبين الذاكرة والمستقبل.
فصون برج المضارسة وترميمه ليس مجرد حماية لجدران قديمة، بل حماية لصفحة من ذاكرة الذيد، وإعادة تقديمها للأجيال بوصفها قصة مكان وإنسان، وإنشاء متحف للحياة الفطرية ليس مبادرة معرفية فحسب، بل رسالة تؤكد أن البيئة ليست هامشًا، بل أصلٌ من أصول الهوية والاستدامة، أما المجلس الأدبي والسوق التراثي، فهي مسارات تكمل بعضها بعضاً، لتجعل الثقافة والتراث والنشاط الاقتصادي جزءًا من نبض المدينة اليومي.
كل ذلك حتى تصبح الذيد في المرحلة المقبلة أكثر حضوراً في خارطة السياحة الثقافية والبيئية، وأكثر قدرة على خلق حياة اجتماعية واقتصادية متوازنة، وأكثر وفاءً لهويتها العميقة.
وهكذا تعود الذيد إلى مركزها الطبيعي، مدينة تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين التراث والتنمية، وبين الذاكرة والمستقبل، لا تُبدّل مشاريعها ملامحها، بل تصقلها، ولا تنتزعها من عاداتها وتقاليدها، بل تبني فوقها وتستمد منها، ووعداً بأن الإنسان فيها سيبقى أول الحكاية وآخرها.