جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

الطيبون في الخفاء: هل نُحسن إذا غاب المديح؟

30 أبريل 2026 / 9:27 AM
الطيبون في الخفاء: هل نُحسن إذا غاب المديح؟
download-img
حين يحل الظلام وتطفأ الأضواء وتنام العيون... كيف تتصرف؟ ليس ما تقوله للناس ولا ما ترتديه من اللباس ولا ما تخطه على مواقع التواصل، بل ما تفعله بعيداً عن أعين الناس، حيث لا كاميرات ولا جوائز ولا مكافآت ولا تصفيق، هذه هي الزاوية التي تنكشف فيها حقيقتك الأخلاقية.
وقد قال سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء..."قالوا: إنا نستحيي يا رسول الله، قال: ليس ذاك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلى". 

هذا الهدي النبوي الكريم الذي رواه الترمذي وأحمد، وحسنه الألباني، يفتح لنا مجالاً واسعاً للتأمل في باب الأخلاق حيث أن الأخلاق في جوهرها عبارة عن خشية الله في السر والعلن، وأن الذي يخشى الله في خلواته هو الذي يتحلى بالأخلاق على حقيقتها، لا من يظهرها للناس ويخالفها في السر. 

يقول بشر الحافي: "ما أحببتُ أن يراني أحد في طاعة، ولا كرهت أن يراني أحد في معصية، حياءً من الله وحده"، ويقول ابن القيم رحمة الله:

وإذا خـلوتَ بريبةٍ فــي ظلمــــةٍ
 والنـــفس داعيةٌ إلى الطغيــــانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها
 إن الـــذي خلــق الظـــلام يـران

قراءنا الأعزاء! كم مرة تظاهرنا بالأخلاق لمجرد أن أحدهم يراقب؟ وكم مرة قررنا التخلي عن القيم لأننا في الخفاء ولا يراقبنا أحد؟ مع الأسف أصبحت الأخلاق في عالمنا اليوم تقاس غالباً بالتصوير لا بالنية. 

نبتسم أمام الكاميرا ونغضب خلفها، نظهر الكرم ونكن الشح، ندعى النزاهة ونخون في الخفاء، لكن المقياس الحقيقي للأخلاق هو ليس ما يقال عنا بل ما نعرفه عن أنفسنا، فيجب أن نفكر لحظة، وهل نعيد البضاعة الزائدة إلى صاحبها عندما تحسب لنا بالخطأ؟ هل نمسح المواقع الإلكترونية غير اللائقة حتى لم يرنا أحد؟ هل نتقن أعمالنا بنفس الجهد في حضرة المدير وغيابه؟ هل نمسك لساننا عن الكلام الفاحش عندما لا يوجد من يقول لنا "اتق الله"؟ 

إن هذه المواقف العابرة قد تبدو صغيرة لكنها هي التي تحدد حقيقة أخلاقنا، هي التي تبني مجتمعنا أو تهدمه من الداخل، صحيح أننا بشر ضعفاء ويجب أن نعلم أننا لا نلام على الخطأ في كثير من الأحوال بقدر منا نسأل عن النية فيجب أن نتساءل: هل قاومنا؟ هل حاولنا؟ هل استحضرنا رقابة الله أم اكتفينا برقابة البشر؟ 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقِ الله حيثما كنت"... يعنى اتق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه في مكان كنت فيه، سواء كنت في السر أو العلن، في المرأى أو الخفاء، في المكتب أو المنزل، في الشاشة أو خلف الشاشة، يجب أن نبني أخلاقنا في الظل لأنها شجاعة من نوع آخر ونزرع الخير دون أن ننتظر أحداً ليراه، لأنها هي البطولة الحقيقية ونكون نزيهين وصادقين حتى لو لم يرانا أحد. 

فهذه الأخلاق وإن كانت لا تنشر في السيرة الذاتية وقد لا نكافأ عليها في الدينا غير أنها هي الأعمال التي توزن في ميزان حسناتنا يوم القيامة، فلننظر إلى داخلنا، إلى زاوية قلوبنا حيث لا يرانا أحد إلا الله، فهناك فقط تبدأ الأخلاق الحقيقية.
April 30, 2026 / 9:27 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.