جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

ماذا بعد الرحيل؟

وفاة أيقونة الفن الخليجية حياة الفهد عن 78 عاماً بعد مسيرة حافلة
download-img
منذ أيام قليلة، ودّع الوسط الفني سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة القديرة حياة الفهد، تلك القامة الشامخة التي حملت على كتفيها عقوداً من الإبداع والعطاء، لم تكن مجرد ممثلة رحلت، بل كانت مدرسة في الفن والأخلاق، وجزءاً من وجدان خليجي جمعته الدراما الكويتية على مدى نصف قرن.
وحياة الفهد، التي تنتمي إلى جيل الكبار العمالقة في الكويت الحبيبة، ليست وحدها في قافلة الرحيل؛ فقد سبقها العديد من العمالقة الذين تركوا فراغاً كبيراً في القلوب قبل أن يتركوا فراغاً على الشاشة: الفنان حسين عبدالرضا، ذلك العلم الذي لا يُنسى، وغانم الصالح، وغيرهم كثيرون ممن صنعوا ذهبية الدراما الخليجية، ورسموا ملامح هويتنا الثقافية.

حين يتحدث التواضع والحضور

لعل أبلغ دليل على مكانة هؤلاء العمالقة ليس فقط ما قدموه على الشاشة، بل ما حدث بعد رحيلهم: التزاحم المهيب في جنازاتهم، والدموع التي لم تجف على وجوه محبيهم، والقصص التي تُروى عن تواضعهم وحسن معشرهم، والتزامهم بأخلاق المهنة قبل إتقانها، كل ذلك رسم صورة مغايرة تماماً لما نراه اليوم.

البرامج الوثائقية واللقاءات التلفزيونية التي أعقبت رحيلهم سلطت الضوء على مسيرة حافلة بالعطاء، لكنها أيضاً كشفت عن أبعاد إنسانية عميقة، كانوا بحق نجوم، لكنهم في سلوكهم أبناء البلد البسطاء؛ يتعاملون مع الجميع برحابة صدر، لا يتعالون على أحد، ويعتبرون الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.

السؤال المحيّر: أين الجيل الجديد؟

وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا بعد الرحيل؟ هل يمتلك الجيل الجديد من الفنانين الوعي الكافي للاستفادة من مسيرة هؤلاء الكبار؟ هل سيدركون أن النجاح الحقيقي ليس في عدد المتابعين أو حجم الأجور، بل في البصمة التي تتركها في وجدان الناس؟

للأسف، المشهد اليوم يختلط فيه الغث بالسمين، وتتزاحم فيه الأعمال التجارية السريعة التي تهدف إلى الاستهلاك العابر لا الخلود الفني. نجوم يظهرون كالبرق ويختفون كالغبار، وأعمال تُنتج بسرعة، وتُنسى بأسرع منها، القليلون هم من يحملون شعلة جيل العمالقة، وأقلّ منهم من يدرك معنى "الالتزام" في العمل الفني، وغالبيتهم تفتقد إلى ذلك التواضع الذي كان سمة أصيلة في جيل الرواد.

إن لم يتوقف الجيل الجديد عند محطات هؤلاء العمالقة، ويدرس أعمالهم بتمعّن، ويفهم سرّ خلودها، فإن الخسارة ستكون مضاعفة: خسارة الرحيل، ثم خسارة الإرث الضائع الذي لا يجيد الخلف حمله.

بصيص أمل من الشارقة

في خضم هذا القلق، يبقى هناك من يضيء شمعة في الزحام، لقد كان لاهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بالمسرح والفنانين وتكريمهم أثر بالغ في الحفاظ على جذور الفن الأصيل، فالمسرح، ذلك الرحم الذي أنجب غالبية عمالقة الخليج، يجد في الشارقة راعياً ومحتضناً يجعله منارة ثقافية لا تنطفئ.

تكريم الرواد في مهرجانات الشارقة، ودعم الحركة المسرحية الخليجية، وإطلاق الجوائز التشجيعية للأجيال الجديدة، كلها خطوات تذكّرنا بأن الفن الجاد لا يموت ما دام هناك من يؤمن به ويدعمه.

ختاماً: ماذا بعد الرحيل؟

قد نعلم يقيناً أنه لا خلود لأحد، لكن هناك خلوداً مختلفاً: خلود الذكرى الطيبة والأثر الإيجابي، رحلت حياة الفهد -رحمها الله-، ورحل قبلها حسين عبدالرضا وغانم الصالح وآخرون، لكن أعمالهم لا تزال تنبض بالحياة كلما عُرضت، ودروسهم في التواضع والالتزام لا تزال تُروى في المجالس.

يبقى الأمل معقوداً على جيل جديد يدرك أن الطريق إلى قلوب الناس ليس بالأضواء والثرثرة، بل بالإخلاص والموهبة والتواضع والاجتهاد، جيل يقتدي بالعمالقة، لا يتجاوزهم، ويفهم أن الفن رسالة قبل كل شيء، فهل نراه قريباً؟ أم أننا سنظل نردد: "ماذا بعد الرحيل؟" مع كل رحيل؟.
April 27, 2026 / 8:42 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.