جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

أول الصف

أول الصف
download-img
في كل مناسبة سواء كانت مؤتمرًا علميًا أو حفلاً خيرياً أو حتى ندوة ثقافية نلاحظ حضورًا لافتًا لفئة معينة لا تخطئها العين إنهم "أول صف"، أولئك الذين يتسابقون لشغل المقاعد الأمامية حريصين على أن تكون وجوههم في مقدمة كل صورة وأجسادهم في واجهة كل حدث.
إن هؤلاء يقتحمون القاعات باكرًا ويختارون بدقة المقعد الأقرب إلى المنصة وإلى الكاميرات وإلى الأضواء، هم أول من يصل وآخر من يغادر ليس حرصًا على حضور الفعالية علميًا بل لضمان عدم فوات أي فرصة للظهور.. يرفعون أيديهم أكثر من غيرهم للتصفيق يبادرون بالأسئلة (الجاهزة غالبًا) ويتزاحمون حول الشخصيات المهمة لالتقاط الصور التذكارية.

وهؤلاء يظنون أنفسهم في سباق مع العدسات يقفزون أمام المخرجين والمصورين ويتمايلون بثيابهم الأنيقة وإطلالاتهم المصقولة.. صيحاتهم الإعلامية عالية ولكن أفعالهم على الأرض خافتة، يتحدثون عن العمل التطوعي بأعلى صوت بينما لا تطول أيديهم لأدنى خدمة.. ويتشدقون بقيم العطاء لكن خزائن أفعالهم فارغة.

أما أولئك الذين يخدمون الناس حقًا فيعرفون أن الخدمة الحقيقية لا تحتاج إلى كاميرا.. إنهم في الصفوف الخلفية أو خلف الكواليس أو في شوارع الأحياء الفقيرة أو في مطابخ إطعام المساكين، لا يبحثون عن ضوء الفلاش بل عن دفء يد تمتد لمسح دمعة أو كتف تحمل همًا.. جائزتهم ليست في ظهورهم على غلاف مجلة بل في عيون المكفوفين التي تبصر بهم وفي قلوب الجائعين التي تشبع بكرمهم.

إن هؤلاء "أول صف" المشوهين يعانون من وهم فارغ: إن الظهور هو الوجود وأن الضوء هو القيمة.. لكن الصورة إن خلت من روح العمل الإخلاص تبقى مجرد وهم ملون… وأما الخدمة الحقيقية فلا تحتاج إلى عدسات فهي تصنع التاريخ خلف الجدران وتكتب أسماءً قد لا تظهر أبدًا في الصحف، لكنها محفورة بمداد لا يمحوه الزمن.

فلنحذر من "طغيان أول صف" ونتذكر أن العبرة ليست بمن يطل برأسه أمام الكاميرات بل بمن يطل بقلبه وسط المحتاجين.
May 04, 2026 / 8:40 AM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.