كم نحتاج إلى البصيرة في زمن كثرت فيه الأضواء الصاخبة وتزاحمت فيه الأصوات المتداخلة حتى أصبح التمييز بين الحقيقة والوهم أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش.
إنها تلك النافذة الصغيرة في أعماق القلب التي تظل مفتوحة على الحقيقة حين تغلق جميع النوافذ الأخرى، إنها النور الذي يُميز به المؤمن بين الصديق والمخادع بين الطريق المستقيم والسبل المتعرجة.
تأملوا معي قصة ذلك الرجل الذي جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبره أن الحسن البصري يُملي على الناس أحاديث لم يسمعها.. فقال عمر للحسن: "مَن حدّثك بهذا؟" قال: "فلان"، فاستحضره عمر فقال: "ما حملك على هذا؟" قال الرجل: "يا أمير المؤمنين كان الحسن يحدث في مجلسي وأنا أسمع فأردت أن أختبر حفظه " فضحك عمر وقال: "اللهم ارحم أمة محمد إن فيهم لبصائر.
أليس هذا دليل على أن البصيرة ليست مجرد ذكاء أو فطنة بل هي نعمة إلهية يمنحها الله لمن يشاء من عباده.
كم نحتاج اليوم إلى بصيرة كهذه حين نرى بأعيننا كيف ينخدع الناس بظواهر براقة! فالرجل البصير لا تغره الأموال الحرام وإن جلّت، لأنه يرى بعين قلبه محق البركة فيها كما قال تعالى: "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ"، فبَصيرته تخبره أن كل درهم حرام سيكون سبباً في شقائه قبل أن يكون سبباً في غناه.
والمرأة البصيرة لا تُغويها الموضات العابرة إن مست كرامتها وعفتها لأنها ترى جمال الوقار كما رأته سيدات الفردوس من قبلها.
إن البصيرة هي حائط الصد الأول ضد الفتن، وهي البوصلة التي تهدي التائهين في بحر المتناقضات.. كم نحتاج إليها اليوم حين صار كل شيء مشوهاً: يُسمون الخيانة ذكاءً، والحياء ضعفاً والطمع طموحاً، والتواضع تخلفاً، والبعض يستخدم التواضع تزلفاً.
يقول الشاعر العربي القديم:
وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَصِيرَةٌ *** تَسُوقُهُ إِلَى الْخَيْرِ كَانَ كَأَعْمَى
فالتمسوا البصيرة في صحبة الصالحين، وفي تدبر آيات الله المنظورة والمسطورة، وفي الصفاء مع النفس ساعة تخليها…
وإن أعيتكم الحيلة فاسألوا الله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: "اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".
فهل نحن مستعدون أن نبصر؟ أم سنبقى نتخبط في الظلمات؟