جار التحميل...

mosque
partly-cloudy
°C,

هدنة مُصطنعة وصراع يُدار.. ملامح مرحلة "لا حرب ولا سلام"

هدنة مُصطنعة وصراع يُدار.. ملامح مرحلة "لا حرب ولا سلام"
download-img
تعيش المنطقة اليوم إحدى أكثر لحظاتها حساسية منذ عقود، حيث تتداخل الحرب بالهدنة، ويتقاطع التصعيد مع التهدئة، في مشهد يعكس حالة "لا حرب… ولا سلام" التي أصبحت السمة الغالبة على الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
فالهجمات الأولى التي استهدفت مواقع صاروخية إيرانية، وما تبعها من ردود محسوبة، لم تتحول إلى حرب شاملة، لكنها أيضًا لم تنتهِ بما يكفي لاعتبارها هدنة حقيقية، فبين هذين الحدّين، تتشكل معادلة جديدة تُدار فيها المواجهة بقدر من الضبط يسمح باستمرار الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وكأن الأطراف جميعها تتحرك داخل مساحة رمادية تُبقي النار مشتعلة تحت الرماد.

وفي قلب هذا المشهد، برزت الإمارات كأحد الأطراف التي طالتها تداعيات الصراع، سواء عبر الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية، أو عبر محاولات العبث بمحطة براكة للطاقة النووية، في مؤشر واضح على أن التنمية الإماراتية أصبحت جزءًا من معادلة الضغط الإقليمي. 

فبراكة ليست مشروعًا تقنيًا فحسب، بل ركيزة من ركائز المستقبل، ودليلًا على قدرة الدولة على بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار، ولذلك، فإن استهدافها لم يكن مجرد حادث عابر، بل رسالة ضمن سياق أوسع يستهدف مسار التنمية ذاته، ويعكس رغبة أطراف معينة في تعطيل نموذج الدولة الذي تمثله الإمارات.

وعلى المستوى العسكري، ما تزال الولايات المتحدة تُبقي خيار الضربة الواسعة مفتوحًا، لكنها أجّلت تنفيذها استجابة لطلب خليجي يهدف لإعطاء الوساطة الباكستانية فرصة إضافية. 

وفي المقابل، رفعت إيران مستوى الجاهزية الدفاعية في جزيرة قشم ومحيط مضيق هرمز، في إشارة واضحة إلى استعدادها لمرحلة أكثر حساسية، ورغم الضربات الأولى، تؤكد واشنطن أن 70% من القدرات الصاروخية الإيرانية ما تزال فعّالة، وأن طهران استعادت السيطرة على معظم مواقعها قرب المضيق، وهو ما يعكس قدرة إيران على امتصاص الضربات وإعادة التموضع بسرعة.

أما في مضيق هرمز، فقد دخلت الأزمة مرحلة جديدة بعد إعلان إيران إنشاء "هيئة مضيق الخليج الفارسي" واعتبار العبور دون إذنها غير قانوني، في محاولة لفرض سيطرة مباشرة على الممر البحري، وفي المقابل، أطلقت الولايات المتحدة عملية "مشروع الحرية" لإعادة فتح المضيق، مؤكدة أنها أحبطت محاولات إيرانية لتعطيل الملاحة. 

وبين الروايتين، يبقى المضيق شبه مغلق فعليًا أمام السفن التجارية، ما يرفع كلفة التأمين ويزيد الضغط على أسواق الطاقة، ويجعل الملاحة الدولية رهينة لحسابات سياسية متغيرة.

وفي خضم هذا المشهد المتشابك، تبرز ملامح واضحة تشير إلى أن الهدنة المعلنة ليست هدنة طبيعية بقدر ما هي هدنة مُصطنعة، أو بالأحرى هدنة مُدارة بين الأطراف الأساسية في الحرب، فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي، التي أكد فيها أن إيران استعادت قدراتها ومواقعها حول مضيق هرمز خلال فترة التهدئة، تكشف أن الهدنة لم تُضعف طهران، بل منحتها الوقت لإعادة التموضع وإعادة بناء قوتها الصاروخية. 

وهذا يعزز الانطباع بأن التهدئة جاءت نتيجة تفاهمات ضمنية تخدم مصالح الجميع: واشنطن التي تحتاج إلى مساحة سياسية وقانونية، وطهران التي تستغل الهدنة لإعادة التسلّح، وإسرائيل التي تركز عملياتها على جبهة لبنان. 

وهكذا تتحول الهدنة إلى أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، وتُبقي المنطقة في دائرة «لا حرب… ولا سلام» قابلة للاشتعال في أي لحظة، وما يزيد المشهد تعقيدًا أن الأطراف الإقليمية تجد نفسها مضطرة للتعامل مع واقع لا تملك السيطرة الكاملة عليه، فالدول الخليجية، وعلى رأسها الإمارات، تواجه تحديًا مزدوجًا: حماية أمنها من جهة، وضمان استمرار مسار التنمية من جهة أخرى. 

وقد أظهرت الإمارات قدرة واضحة على إدارة هذا التحدي، سواء عبر تعزيز دفاعاتها الجوية، أو عبر تسريع مضاعفة طاقة التصدير في الفجيرة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، في خطوة تعكس إدراكًا استراتيجيًا لمخاطر المرحلة.

كما أن الهجمات التي طالت الإمارات- ومنها محاولة استهداف براكة - جاءت لتؤكد أن التنمية أصبحت جزءًا من معادلة الصراع، وأن الدول التي تنجح في بناء نموذج اقتصادي متقدم تصبح هدفًا لمن يضيقون برؤية النجاح. 

ومع ذلك، فإن الإمارات لم تتعامل مع هذه الهجمات بوصفها تهديدًا وجوديًا، بل بوصفها تحديًا إضافيًا ضمن سياق إقليمي مضطرب، يمكن احتواؤه وإدارته دون التخلي عن مسار التقدم.

ورغم هذا التعقيد، تبقى الإمارات ثابتة على نهجها الواضح بحماية أمنها، وصون استقرارها، ومواصلة مسار التنمية دون الالتفات إلى محاولات التخريب أو الضغط.، فالدول التي تبني مستقبلها على المعرفة والاقتصاد المتنوع لا تُربكها الهدن المصطنعة ولا تُخيفها المناورات العابرة، بل تزيدها يقينًا بأن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على إدارة الأزمات بثبات، وعلى تحويل التحديات إلى فرص. 

وفي منطقة تتغير معادلاتها كل يوم، تظل الإمارات نموذجًا لدولة تعرف أين تقف، وإلى أين تتجه، وكيف تحمي مصالحها دون ضجيج أو تردد، لتؤكد أن التنمية ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروع سيادي لا يمكن إخضاعه لمنطق الصراع.
May 19, 2026 / 12:52 PM

الكلمات المفتاحية

أخبار ذات صلة

Rotate For an optimal experience, please
rotate your device to portrait mode.