يأتي كتاب" أخبروهم أنها هنا" بحثًا عن ملكة مليحة" لسمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، بوصفه رحلة تتجاوز حدود المعرفة التقليدية إلى مساحات أكثر اتساعًا، حيث يصبح التاريخ مرآة للروح، وتغدو الآثار لغة أخرى تستعاد بها الذاكرة الإنسانية.
فمن الصفحات الأولى يشعر القارئ أنه لا يتعامل مع سرد أثري أو بحث علمي، بل مع تجربة وجودية مكتوبة بروح من يستمع إلى همس الأرض، ويتتبع إشاراتها بدقة وحنين.
فالكاتبة لا تقترب من مليحة كموقع أثري فحسب، بل ككائن حيّ يتنفس الحكايات، ويخفي في طبقاته رسائل تحتاج إلى قراءة بالبصيرة قبل البصر، حيث يتقدم النص بلغة تجمع بين الرهافة الشعرية والمعرفة العلمية، لغة تنسج عالمًا يلتقي فيه العقل بالقلب، والأسطورة بالدلائل، والخيال بالحقيقة.
فتكتب الكاتبة وكأنها تعيد إحياء الماضي في لحظته، فتتبع أثَر الملكة المفقودة وكأنها تتبع ظلًا ما زال يتحرك بين الكثبان، وتستعيد صوتًا لم يخفت رغم مرور القرون.
وإن سعيها للكشف عن سيرة ملكة مليحة ليس محاولة لإعادة بناء مشهد تاريخي فقط، بل محاولة لفهم الكيفية التي يتشكّل بها الإنسان عبر ذاكرة الأرض، وكيف يمكن للمكان أن يختزن جوهر الوجود الإنساني بكل ما فيه من حنين وحزن ومحبة، فكل فصل من الكتاب ينفتح كما لو أنه بوابة إلى عالم موازٍ، عالم تتقاطع فيه أسئلة المادة والروح.
ففي صفحاتٍ يختلط فيها البحث الأنثروبولوجي بالتأمل الفلسفي، فتقود الكاتبة القارئ إلى طبقات أعمق من الأسئلة: ما الذي يجعل الإنسان يبحث دائمًا عن جذوره؟ ولماذا يتماهى مع الأسطورة حين تضيق به حدود الواقع؟ وكيف تصبح المقابر القديمة، والرموز، والنقوش، أكثر حياة في كثير من الأصوات التي تحيط بنا اليوم؟
ويكتسب الكتاب بعدًا إنسانيًا خاصًا من خلال الإهداء الموجه إلى الراحل خالد، والذي يكشف أن الرحلة ليست علمية بالكامل ولا فنية بالكامل، بل هي أيضًا رحلة شفاء واستعادة وتذكّر.
ففي تلك الكلمات المؤثرة يتكشف أن الكتاب، رغم انشغاله بالماضي، هو في حقيقته كتابة عن الحاضر، عن أثر الغياب، وعن الوجه الآخر للبحث: أن نبحث عمّن غاب كي نجد أنفسنا من جديد، وبهذا يصبح البحث عن ملكة مليحة مرآة لبحث الإنسان عن ذاته، عن صوته الداخلي، وعن قدرته على مقاومة النسيان.
ويمتد الكتاب على أكثر من ثلاثمئة وخمسين صفحة، ولكن القارئ لا يشعر أنه يتنقل بين فصول منفصلة، بل يعيش نصًا واحدًا يتدفق بانتظام وعمق، نصًا يزداد اتساعًا كلما تقدّم، تمامًا كما تتكشف الصحراء حين نمشي فيها خطوة بعد خطوة.
وفي هذا الامتداد السردي المتماسك، تتجلى براعة الكاتبة في ربط التفاصيل الصغيرة بضوء الفكرة الكبرى، الفكرة التي تقول:" إن الأرض تعرف أكثر مما نقول، وإن الماضي ما زال يكتبنا كما نكتب عنه".
وحين تصل الصفحات الأخيرة، يخرج القارئ بشعور أن الكتاب لم يكن بحثًا عن ملكة فحسب، بل عن تلك الحقيقة العميقة التي تحاول الروح العودة إليها دائمًا، وأن رحلة مليحة ليست رحلة في التاريخ فقط، بل في الذاكرة الإنسانية ذاتها.
إن كتاب "أخبروهم أنها هنا" هو نص لا يُقرأ على عجل، بل يُعاش ببطء، ويُشعر قارئه بأنه يقف على تخوم عالمين: عالم ما تبقى من الآثار، وعالم ما تبقى في القلب.