في غرفةٍ تبدو مزدحمة بالأجساد، ولكنها خاوية من الوجود الحقيقي، في عيونٍ تلتقي، ولكنها لا ترى، في كلماتٍ تُلقى، ولكنها لا تلمس شغاف القلب، ها نحن نكرر ببرود: "فريق بلا روح"، "طالب بلا روح مذاكرة"، "أسرة بلا روح"، "مكان بلا روح"، وكأننا نعلن عن جريمة غياب، لكننا نسكن في قلبها.
الروحُ هي ذلك السر الذي يحوِّل الحجر إلى بيت والكلمات إلى حوار والحركة إلى فن واللقاء إلى عِشرة ليست مجرد حماسة عابرة، بل هي الوجود العميق الذي يمنح المعنى للفعل، هي الاشتعال الداخلي الذي يجعل القدم تركض نحو الكرة وكأنها تركض نحو حلم، ويجعل العقل يلتهم الكتاب وكأنه يلتهم أسرار الكون، ويتلمس الأسرة تتجمع حول مائدة الطعام وكأنها تتجمع حول مذبح الحب.
لكن أين ذهبت؟
ربما ضاعت في زحام السرعة حيث لم نعد نملك وقتاً لنُصغي، نلعب بجسدٍ مرهق، نذاكر بعقلٍ مشتت، نعيش في بيوتٍ أصبحت محطات استراحة بين شاشة وأخرى، وصارت الحياة سلسلة من المهام، لا سيمفونية من اللحظات.
ربما اختنقت تحت وطأة التوقعات، فأصبح الفريق ليس مجموعة أطفال يعشقون اللعبة، بل آلات يطالبها الجمهور بالإنجاز، والطالب ليس عقلًا متسائلاً متعطشاً للمعرفة، بل رقم في سجل النتائج، والبيت ليس ملجأً دافئاً، بل استمراراً لضغوط العالم.
أو ربما نسينا لغتها، لغة الروح بسيطة: اتصال حقيقي، انتباه كامل، شغف بما نفعله، حضورنا بكلِّ قلوبنا في اللحظة التي نحياها هي أن ترى في عين من أمامك إنساناً لا مجرد رقم، أن تستمع لصديقك كما تستمع لأغنية تحبها، أن تلعب وكأن طفولتك تتحدث من خلالك، أن تدرس وكأنك تكتشف ألغازاً لعبتك المفضلة.
الروح لا تذهب إلى غير رجعة هي كالنبات النائم تحت الثلج تنتظر دفء اليد التي تلمس والعين التي ترى والقلب الذي يتذكر، قد تعود حين نجرؤ على أن نسأل أنفسنا بصدق: متى آخر مرة فعلت شيئاً بكلِّ كيانك؟ متى آخر مرة توقفت لتشعر بجمال تفاصيل يومك؟ متى آخر مرة نظرت إلى من تحب وكأنك تراه للمرة الأولى؟
الروح عائدة إذا أردنا، إنها خفقة قلب حين نختار أن نكون حاضرين لا غائبين، مخلصين لا آليين، متصلين لا معزولين، فلنبدأ من اللحظة: لنمنح أنفسنا ومن حولنا هدية الاهتمام الكامل، فلعل في عين طفل، أو في حماس شاب، أو في صبر كهل، نجد الشرارة التي ستضيئ الطريق من جديد.
فالروح لم تذهب بعيداً، هي فقط تنتظر منا أن نتوقف، ونتنفس، ونتذكر.